“ألم ليكن مدهشاً لو صدقت الدول حول السبب الحقيقي الكامن خلف عدم قدرة النساء في سوريا على المشاركة الفعلية 

 في مسارات وآليات السلام؟”  

هكذا افتتحت الأمينة العامة لرابطة النساء الدولية للسلام والحرية الجلسة الحوارية حول المشاركة السياسية للنساء في سوريا على هامش انعقاد جلسة مجلس الأمن حول النساء والأمن والسلام في نيويورك الشهر الفائت.  

كم يبدو السؤال بسيطاً، لكن السياسيين والمسؤولين في الأمم المتحدة ما فتئوا يراوغون، ويجترحون الوعود الفارغة أو يلجؤون إلى تكريس مشاركة شكلية للنساء في هذه المسارات.  

هذا المقال عن ثلاث نساء من سوريا حاولن الإجابة عن هذا السؤال بطريقتهن ومن وجهة نظرهن. 

فدوى محمود

تصوير: مناف عزام

“كنت جزءاً من اللجنة الاستشارية في مسار المفاوضات منذ العام ٢٠١٦، وكان من المفترض بي تمثيل النساء السوريات في هذا المسار. كنا حينها ١٢ امرأة في اللجنة الاستشارية، والتي كانت تقع تحت مظلة الهيئة العليا للمفاوضات السورية. والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الدور الذي لعبته النساء في لجنة المفاوضات هذه؟ الجواب، لا دور يذكر على الإطلاق”.  

تم أخذ زوج وإبن فدوى من قبل النظام السوري لدى عودتهم من مؤتمر حول السلام في الصين في العام ٢٠١٢. تلقت فدوى اتصالاً هاتفياً منهم يطمئنونها بأنهم في طريقهم إلى المنزل عائدين من مطار دمشق. منذ ثمان سنوات، وفدوى لا تزال تنتظر وصولهم إلى المنزل، وتنتظر سماع خبراً منهم أو عنهم.  

فدوى، الناشطة السياسية والمعتقلة السابقة في ظل النظام الأسدي نفسه في تسعينات القرن الماضي، لم تتخلّ يوماً عن البحث عن أحبائها وعن أجوبة عن اختفائهم قسراً.  

فدوى وغيرها من السيدات السوريات أسسن “عائلات من أجل الحرية”، ذلك التجمع الذي يضم الأسر السورية التي تطالب بالإفراج عن جميع المعتقلين السوريين والمخفيين قسراً في السجون في سوريا.  

الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا وباء مستفحل. هي أداة استخدمها ويستخدمها النظام لاستنزاف إرادة الناس في المقاومة، ولإفقادهم/هن الأمل وإضعاف عزيمتهم/هن.

لكن فدوى تعمل بلا هوادة، مكرسّة حياتها ونضالها من أجل قضية المعتقلين/ات والمخفيين/ات قسراً. 

“حين دعيت للمشاركة في الهيئة التفاوضية العليا، كان الحل أشبه بالضمادة؛ ناقش المجتمعون، خلف الأبواب المغلقة، الكثير من الشروط، لكن أحداً لم يسمح لي طرح قضية المعتقلين والمفقودين قسراً. وجودنا كنساء في تلك الهيئة لم يعدو عن كونه اجراءَ شكلياً أقنع به القيمون على ذلك المسار حينها أنفسهم بأنهم هكذا يقومون ’بإشراك‘ النساء”. 

تحمّل فدوى الأمم المتحدة مسؤولية إقصاء النساء، مشيرة إلى فشلها في الإصرار والسعي الجديين لإشراك النساء. “توقعت أن تكون المنظومة الذكورية والأبوية في سوريا معارضة لإشراك النساء. لكن ما هالني هو أن الأمم المتحدة نفسها لم تصّر أو تعمل على تفعيل حق النساء بالمشاركة بشكل جدي”. 

“أشعر أن كل جهودي بلا جدوى. حين أجتمع بالنواب الأوروبيين، أشعر بتعاطفهم مع قضيتي حين أكون معهم، لكن كل ذلك يذهب هباءً. لم أستطع بعد الحصول على نتائج فعلية للاجتماعات التي قمت بها. الكل يؤكد دعمه لحقوق الإنسان وحمايتها، لكن حين يصل الأمر إلى سوريا، تصبح الأمور مجرد وجهات نظر”. 

سناء مصطفى

تصوير: مناف عزام

“حددنا وما زلنا نحدد نحن النساء شكل الاحداث على الأرض في سوريا ولكننا لسنا جزءاً من أي مفاوضات تتم عن حاضر او مستقبل سوريا”. هكذا بدأت سناء مصطفى، عضوة في الحركة السياسية النسوية السورية، مداخلتها في محاولة الإجابة عن أسباب القصور في المشاركة الفعلية والحقيقية للنساء السوريات في مسارات السلم. 

انبثقت الحركة السياسية النسوية السورية كرد فعل على الإحباط الناتج  من الإقصاء الممنهج بحق النساء من طاولة المفاوضات.

لعبت النساء السوريات دوراً حاسماً خلال الثورة على نظام الأسد وفي الجهود الوسيطة للتصدي للعقلية المتطرفة التي تلت الهجمات الهمجية على الثائرات والثوار السلميات/ين؛ يجب ان يكن النساء جزءاً أساسيا في مفاوضات السلام. 

تنتمي سناء إلى أسرة معارضة، هالها ما قام به النظام الأسدي، فثارت على الظلم.  اعتقل والد سناء في سنة ٢٠١٢ من قبل الجهاز الأمني – الاستخباراتي التابع لنظام الأسد، فاضطرت سناء وعائلتها ترك سوريا واجبروا على  اللجوء إلى بلدان مختلفة. وما زال والد سناء مختفياً من دون أي أثر وسناء وأفراد أسرتها في الشتات.

تتحمل  النساء في سوريا الوزر الأكبر خلال الحروب التي  ينشئها الرجال ونادراً ما يتم مشاركتهن في سياق المفاوضات للوصول الى حلول مستدامة. 

“تبقى المحاولات لإشراكنا مجرد جهود رمزية، ويتوقع منا أن نكن ممتنات للمحاولات الشكلية لتمثيلنا، ولكنه ليس تمثيلاً كافياً.”

وتحدثت سناء عن الاستثناءات التي تُمنح للرجال بالنسبة للمؤهلات والشروط التي تخولهم  الجلوس على طاولة المفاوضات؛ أما النساء، ففي خضم معاناتهن في مواجهة التحديات الهيكلية التي تعيق مشاركتهن، عليهن بذل جهود مضاعفة ليس للوصول إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل ليبرهن عن قدرتهن و”أهليتهن” لذلك. 

سلمى كحالة

تصوير: مناف عزام

لم يكن هناك نقص في عدد النساء العاملات في سوريا على الأرض خلال الثورة. لعبت النساء دوراً اساسياً منذ البداية حيث كن يدرن  مجلسا الادارة للتنسيقيات المحلية. وحتى قبل الثورة كانت النساء الأكثر نشاطاً في المنظمات المدنية في المجال البسيط الذي كان العمل فيه متاحا، واستمر عملهن بقوة بعد الثورة. 

“لا تزال النساء في سورية في الصفوف الأمامية للاستجابة لاحتياجات الناس على الأرض؛ لا زلن يعملن لمساعدة الضحايا،  و لانتاج إعلام حقيقي عن الوضع الداخلي في سورية”، ترى سلمى كحالة، المديرة التنفيذية لمنظمة دولتي، والتي تعنى بتحقيق وتكريس عدالة انتقالية ديموقراطية في سوريا، بأن الجهود لإشراك النساء  [بالمفاوضات] كانت مجرد إضافات شكلية لمفاوضات السلام بدلا عن الجهود لإشراكها بشكل فعال والبناء على دورها الفعلي والقيادي الميداني وبشكل يساعد على بلورة العملية السلمية. 

إن انضمام النساء ليس مهما لهن كأشخاص فقط بل لأن لهن الحق بان يكن متواجدات في هذه المسارات. إن أي مقاربات شمولية لطرح حلول مستدامة غالباً ما تطرحها النساء. النساء هن اللواتي يجلبن إلى طاولة المفاوضات القضايا المهمة ويطرحن حقوق الأقليات والمهمشين.  لا سلم ولا عدالة مستدامة في سوريا من دون إشراك النساء

عمليات السلام 

اكثر من خمس عشرة محاولة حتى الآن لتحقيق السلام في سوريا، ولم تنجح أي منها بإشراك النساء بشكل فعلي.  تعب السوريون والسوريات من استخدامهم/هن كأحجار في رقعة شطرنج عرابوها روسيا والصين وإيران وأمريكا وفي ظل مصالح  جيو-سياسية شائكة.

النساء السوريات يردن إسماع أصواتهن. ومن دون مشاركتهن لن يتحقق سلام حقيقي أو فعلي  في سوريا. أدركت النساء السوريات الآن أن انتظار الأمم المتحدة والمتفاوضين لإشراكهم بشكل فعال هو تماماً كمن ينتظر وصول  غودو.   

النساء السوريات يقمن بالتنظيم  العمل على التغيير عبر خلق حركة حقيقية تضمن إشراكهن في هذه السياقات.