د. إلهام مكي- تظاهرات أكتوبر نقطة تحول في الحراك النسوي العراقي

د. إلهام مكي- تظاهرات أكتوبر نقطة تحول في الحراك النسوي العراقي

عندما خرجت الحشود العراقية إلى ساحات الاحتجاج في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩ لترفض الفساد والقمع والفقر والتهميش والبطالة،  كانت نقطة تحول جديدة في تاريخ الانتفاضات الشعبية في العراق. وكان من أبرز ملامح هذا التحول هو مشاركة النساء من مختلف الشرائح والأعمار، في تحد واضح لمُسلماتِ تبعية وهامشية النساء العراقيات في المجتمع. 

تصدى تواجد النساء اللافت في المظاهرات التشرينية للصفة الذكورية التي كانت طاغية على الاحتجاجات. فقد أثارت مشاركة النساء الغير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث العديد من الأسئلة حول طبيعة وأهداف وثمار المشاركة الفعالة للنساء في العراق.

في ورقة بحثية بعنوان “مشاركة النساء في احتجاجات تشرين … فعل تحدي ومقاومة جندرية” شرعت د. إلهام مكي – باحثة وناشطة في مجال حقوق المرأة وقضايا النوع الاجتماعي وحاصلة على دكتوراه في الأنثروبولوجيا – في الإجابة على هذه الأسئلة، من خلال تحليل نسوي وملاحظات ميدانية للاحتجاجات.

يسعدنا أن أتيحت لنا الفرصة للتحدث مع د. مكي عن الاستنتاجات الرئيسية لورقتها البحثية ورؤيتها عن الخطاب النسوي والمشاركة الفعالة للنساء في العراق بشكل عام. 

Photos from Tahrir Square – The Creativity of Tahrir Youth

Iraqi Women in Tahrir Square participate in October Revolution – We want a nation free of corruption.

د. مكي، قبل أن نتحدث عن محتوى الورقة، نود أن نعرف المزيد عنك وعن مسيرتك كناشطة وباحثة نسوية؟

ولدت في بغداد من عائلة متواضعة إقتصادياً. كأي فتاة عراقية، مررت بالعديد من التحديات. تربيت داخل المنزل تربية جندرية تقليدية جداً ولم تكن أمي تعتقد أنني سأحقق شيئاً. توفي والدي حين كنت في السادسة من عمري. وكانت والدتي تعتمد كثيراً على الأولاد الذكور، كونهم  سيكبرون ويعملون ليساعدونها. كنا أربعة أولاد وأربع بنات ولم يكن لديها أمل كبير في البنات لأن التفكير التقليدي السائد كان يقتضي بأن البنت ستتزوج وتغادر المنزل. 

أتذكر عندما كان أحد إخوتي الذكور ينجح بالمدرسة، كانت تفرح أمي كثيراً وكانت تفرق الحلوى وتزغرط. أما بالنسبة لي فلم تكن تسألني عن النتيجة حتى. كنت أسأل نفسي عن السبب؟ لماذا يمكن للولد الخروج من المنزل وأنا ممنوع عني ذلك؟ لماذا يعد تعليمه مهماً وأنا لا؟ لماذا علي أن أخدم أخي؟ بإختصار تربيت تربية جندرية تقليدية من حيث النظر إلى المرأة ودورها التقليدي. ربما ساعدت مجانية التعليم أن أتم تعليمي، حيث لم يكن هناك أي عبء اقتصادي على والدتي لترسلني إلى الجامعة. وبدأت العمل فور إتمام الدراسة الجامعية. ولم تكن لدي فرصة لإتمام تعليمي العالي حتى عام 2003 عندما تحسنت الرواتب قليلاً.  

هذه الخلفية الثقافية التعليمية أعطتني فرصة لفهم أكثر وأعمق لفئات النساء. وأنا أعرف مشاكل النساء بفئات أخرى. فكان هذا الشعور النسوي شعور طبيعي. 

في سنواتي الأولى كنت إنسانة مسالمة وكنت أحاول أن أساير الوضع لأن رفضي معناه أن تكون حياتي صعبة. ولكن عندما اخترت موضوع الماجستير بدأت أدرس النظريات النسوية. كانت رسالتي عن الثقافة السياسية للبرلمانيات العراقيات. لكن كانت معرفتي العلمية النسوية مشتتة بعض الشيء.

خلال الدكتوراه ومن خلال نشاطي المدني باتت الأمور مختلفة وأخذت منحى جديد وبشكل علمي صحيح وذلك من خلال القراءات والبحث والدراسة. وعندما وصلت للدكتوراه كان لدي القدرة على تحليل واستخدام النظريات النسوية بشكل علمي صحيح.

درست كثيراً عن أوضاع النساء ورأيت الكثير من النساء مثلي، يعشن في سياقات محافظة ومغلقة ولكن شعور التمييز والظلم موجود. وهذا ما يعطيني الإمكانية أو المهارة لتحليل أوضاع النساء في مختلف السياقات. وساعدتني دراستي الانثروبولوجية أيضاً ألا تكون تحليلاتي فوقية. 

هذه خلفيتي العائلية المتواضعة، حياتي وتجاربي الشخصية كإمرأة وفتاة عاشت في هذا المجتمع، ودراستي التي أعطتني بعداً إضافياً …  ولكن ما ساعدني أكثر هو نشاطي في المجتمع المدني، والذي تمكنت من خلاله من دمج المعرفة والنضال والتطور المعرفي. لذلك أعطي اليوم ساعات وأيام وأسابيع من وقتي للتطوع في هذا المجال. 

ما الذي دفعك للكتابة عن احتجاجات تشرين ٢٠١٩؟

بدأت الفكرة قبل جائحة كورونا عام 2020. كانت الكثير من الأمور قد بدأت تتغير بمشاركة النساء والفتيات بالاحتجاجات وبشكل خاص الشابات، حيث زادت نسبة المشاركة النسائية كثيراً. وبدأت الأدوار التي تشارك بها النساء تتغير. كنت دائماً أراقب كيف يتصدى الإعلام أو السوشيال ميديا لمشاركة النساء السياسية، ولكن لم يكن هناك مقاربة علمية لمعرفة الأسباب أو طريقة وضع مشاركة النساء الشابات بإطارها الصحيح. كما  زادت التحديات أمام مشاركة النساء في بداية عام ٢٠٢٠ لا سيما حول نشر الشائعات والأخبار الكاذبة؛  كما ازداد العنف السياسي ضد النساء.

كل هذه الأمور والمشاهدات شغلت حيزاً من تفكيري. وعندما جاءت الفرصة للكتابة، وضعتها على الورق. وهناك بحث آخر سينشر أيضاً بعد شهرين، توسعنا فيه أكثر، حيث حاولنا أن نلتقي بشابات شاركن في احتجاجات ٢٠١٩ وخرجنا بأفكار وتصورات النساء بشكل شخصي. فلا يمكن أن أكتب عن النساء بدون أن أسمع أصواتهن.  

للقراء والقارئات الذين/اللاتي لا يعرفون\ن الكثير عن الوضع السياسي أو الحركة النسوية في العراق. كيف يمكنك تقديم أهمية احتجاجات أكتوبر ٢٠١٩ من حيث دور المرأة فيها وكيف أسفرت عن العديد من النتائج المباشرة وغير المباشرة بالنسبة لوجود النساء في المجال العام.

هنا يجب أن نتحدث عن الفترة التي سبقت تشرين والتي تلتها. هناك من يسميها احتجاجات، أو ثورة … كل حسب قدرها كحدث اجتماعي وسياسي وثقافي. أنا أسميتها احتجاجات. 

احتجاجات تشرين علامة فارقة في تاريخ العراق. تغير على إثرها نظام سياسي وحكومة. إستطاع هؤلاء الشباب والشابات الذين كانوا/كن يوصفون/ن بالجهلة أن يجبروا/ن رئيس الوزراء على الاستقالة وأن يحدثوا/ن تغييراً كبيراً في الوعي السياسي. بناءً على قراءة علمية، لم يحدث ذلك بين ليلة وضحاها. وإنما بني على تراكمات على مر السنوات. أرى أن هذا التغيير الكامل الذي حدث قد تفجر في احتجاجات تشرين من عام ٢٠١٩. 

بالنسبة لمشاركة النساء، فمثل هذه النشاطات والمظاهرات لم تكن غريبة في الأربعينيات والخمسينيات ولكن كانت تحدث فقط بمراكز المدن وتشارك فيها النساء المتعلمات أو من كان لأحد أفراد أسرتها نشاط سياسي فيقوم بإشراكها – وهن من نلتق بهن اليوم من النسويات الرائدات. 

هذه المرة، ما كان ملفتاً للنظر أن الكثير من الشابات كن من خارج التنظيمات السياسية وحتى خارج تنظيمات منظمات المجتمع المدني، وربما لم يسمعن من قبل عن مفاهيم النسوية أو الجندر أو لا يعرفن أي حزب معين. لقد ولدت أجيال في عالم السوشيال ميديا والإنترنت. 

العلامة الفارقة كانت حجم ونوعية المشاركة. أصبح تنظيم النساء أكثر وضوحاً في المجتمع، مثل مسيرة بناتك يا وطن رداً على هذا الزعيم الذي كان يدعو إلى الفصل بين الجنسين في الاحتجاجات، حيث اتهم النساء والفتيات بارتكاب أعمال خارجة عن توقعات المجتمع منهن. وعليه، كانت هناك مشاركة نوعية للنساء بالحجم وبنوع الأدوار التي أدتها النساء خلال هذه الاحتجاجات. كانت هناك العديد من الشابات في خطوط المواجهة مع القوات الامنية، مسعفات، اعلاميات، داعمات اقتصادياً المحتجين المعتصمين في ساحات الاحتجاج، الخ.

في مقدمة الورقة ، أكدت أنك حرصت على تجنب “تكوين تصورات عامة فوقية تضع النساء ضمن مجموعة واحدة، إذ أخذت بالحسبان تقاطعات الطبقة والعرق والدين والإثنية وهياكل السلطة”. لماذا كان هذا الجانب يمثل أولوية أساسية في بحثك وكيف انعكس ذلك على المحتوى؟

من خلال الحوارات والاجتماعات والملاحظات، على سبيل المثال، وجدت فجوة عمرية جندرية بين النساء الشابات والنسويات المخضرمات، كما الفروقات بين التنظيمات الحزبية النسوية وبين بعض الشابات. لنأخذ مثالاً ما سمي بثورة القمصان البيضاء؛ هؤلاء الشابات كن بصفوف الإعدادية أي أقل من ١٨ سنة ولديهن جروبات خاصة (مجموعات على وسائل التواصل الإجتماعي) وكان لديهن وجود خلال وقت معين بالاحتجاجات، أي كن يخرجن بوقت معين خلالها. كانت هذه الحركة تعطي زخماً إنطباعاً بسلمية الاحتجاجات. وكان المعتصمون/ات يفرحون/يفرحن بوجودهن. هذا كله كنت انتبه له وللفجوات الجندرية المختلفة في أشكال وأنواع الحراكات النسوية.

كانت حضور ربات المنازل لافتاً أيضاً. لم يكن لدي مجال للتحدث مع هؤلاء النساء فكانت ملاحظاتي من خلال القصص البسيطة وليس من خلال دراسة منهجية علمية لمعرفة دوافع مشاركة هؤلاء النساء. كانت هناك الكثير من فئات النساء المختلفة ولكل منهن الأسباب والتوجهات الخاصة بهن للمشاركة، والتطلعات المختلفة أيضاً. 

لذلك بالدراسة الثانية، كان هناك سؤال مباشر عن الأدوار التي أدتها النساء. وتأكيداً لما كتبت في المقال الأول الاستطلاعي، وجدنا الكثير من الشابات اللاتي لم تكن مرتاحات مع الأدوار التقليدية التي كانت تؤديها النساء في ساحة الاحتجاجات. وكن يرفضن هذا الشيء. إحدى الفتيات قالت أنها كانت تفعل في ساحات الاحتجاج ذات الشئ الذي تفعله في المنزل.

هذه التقاطعية منهج مهم من مناهج النسوية التي أحاول تطبيقها بكل دراساتي وبحوثي. كثير من الدراسات تفقد قيمتها العلمية إذا لم تطبق هذا النهج.

وطأت قدمي أول مرة ساحة التحرير مع زميلاتي، شعوري كان لا يوصف وأنا أسمع هتافات الشباب المحتجين، حاملين على أكتافهم عنفوان الثورة وحلم التغيير. إلا أن كل هذه المشاعر تجمدت حينما قدم لي أحد الشباب مكنسة وطلب مني ان أقوم بالتنظيف وجمع القمامة. نظرت إليه وقلت: لا، لا أريد ان يكون فقط دوري مسك المكنسة والتنظيف؛ فتركني وناولها لزميلتي التي حملتها وهي مسرورة وسارعت بالتنظيف ولمّ القمامة مع باقي زميلاتي. وجدتُ نفسي أجلس وحدي أنظر لزميلاتي من بعيد وأتساءل: لِمَ علينا نحن النساء أن نقوم بأدوارنا التقليدية حتى ونحن نشارك في فضاءات يفترض أن تعطينا مساواة سياسية وإنْ كانت شكلية؟

احدي المشاركات في البحث

تناولت في مقالك غياب الشعارات ذات المضامين النسوية في ساحات الاحتجاجات. وكان من المثير للاهتمام كيف فسرت هذا من منظور ثقافي واجتماعي، وربطتيه بتمكن النساء العراقيات من فهم السياق وتطوير نهجهن المحلي الخاص بهن للدفع باتجاه تحول اجتماعي “ناعم ، صامت وغير مرئي”. أخبرينا عن هذه الحجة وكيف توصلت إليها من خلال المقابلات والأبحاث التي أجريتها.

وجدت هذا الشيء خلال دراستي للدكتوراه. التقيت بنساء من مجتمع محافظ جداً في سياقات ثقافية وإجتماعية صعبة جداً مثل مجتمع النجف وبعض الأحياء الأخرى في بغداد. وجدت أنه في أحيان كثيرة تكون هؤلاء النساء فاعلات ولديهن شعور الوكالة الشخصية (Agency). قد لا يكن هؤلاء النساء على دراية بمفاهيم النسوية أو الليبرالية أو الماركسية، ولم يسمعن عنها بعمرهن. لكنهن في الوقت ذاته تحاربن من أجل حقوقهن الإنسانية الأساسية دون أن تعرف تاريخ النسوية خصوصاً بالمجتمعات الغربية.

ذلك ينطبق أيضاً على النظرية التي تنطلق من أن النساء المسلمات لسن بحاجة إلى النظريات النسوية الليبرالية للتحرر. لدينا اتجاهين وكأنه علينا أن نحدد إذا كنا مع النسوية الليبرالية أو ضدها تماماً. هذه إشكالية. النظريات مستقرة بقطبين، والنساء يعشن في هذا الطيف الواسع الموجود بين القطبين. يجب أن نذهب لأصحاب المصلحة وأنا هنا أكون مثل الباب أو الشباك لفهم سياقاتهن وما يعانينه من تحديات لأعكس ذلك كله من خلال أبحاثي وقراءاتي.       

بشكل بسيط، النساء لديهن إحساس بالظلم والتمييز، وأنا الآن أكرر كثيراً أن النساء لسن بحاجة إلى توعية. أنا أصلاً ضد كلمة توعية. النساء لديهن الفكر والوعي والمعرفة الخاصة بهن. لسن بحاجة لي أو لغيري ليعرفهن كيف يتعرضن للظلم. في ذات الوقت هن جزء من هذا المجتمع ومن هذا السياق، وبصراحة ليس الكثير منهن يردن تغيير هذه العلاقات الإجتماعية التي يعشن بها في عوائلهن وأسرهن ومجتمعاتهن التقليدية. المرأة التي ترتدي العباءة أو البرقة لا يهمها أن تنزع العباءة أو الحجاب، فهذه ليست هذه اولوياتها. وإنما مشكلتها قد تكون بالتعليم، أو بإيجاد حلول للمشاكل الإقتصادية.  

ومن المهم أيضاً أن نضع كل فئة من النساء، وليس فقط في العراق، بسياقها السياسي وأن نفهم التأثيرات وماذا تفعل النساء حتى يواجهن هذه التحديات السياسية، الثقافية، الاقتصادية، الدينية، وكيف تؤثر على حياتهن ومواقعهن. 

هل يعني ذلك أن النساء المسلمات ليس لديهن نشاط؟ هذا غير صحيح. عندما قبلت النساء الخروج في مظاهرة كن تحت ضغوط كبيرة. كن يستغللن أي فرصة لإعلاء صوتهن. يجب أن نفهم هؤلاء النساء والضغوطات عليهن وألا نتهمهن بالرجعية عبر إسقاط النظرة الغربية عليهن.

احتجاجات أكتوبر ٢٠١٩ تحدت القطبية بين المجالين الخاص والعام، مما مكن العديد من النساء من التغلب على الحواجز الاجتماعية التي تعيق مشاركتهن في السياسة، ومن خلال الفضاءات الإلكترونية. ومع ذلك، لا تزال النساء يواجهن عنفًا سياسيًا متزايدًا – جسديًا وفي الفضاء الإلكتروني – من خلال بحثك والشهادات التي جمعتيها، أخبرينا المزيد عن كيفية تمكن النساء العراقيات من فرض وجودهن المادي والافتراضي خلال أحداث ٢٠١٩ وأيضاً التحديات التي اعترضتهن.

المجال العام هو إشكالية نسوية بكل المجتمعات، إشكالية مشاركة النساء والفئات المهمشة بالمجال العام باعتباره مجال السلطة والموارد الاقتصادية والقوة. فهذه إشكالية حرمان النساء من المجال العام، والعراق حالها كحال الكثير من الدول الأخرى.

إشكالية وجود النساء بالمجال العام بالنسبة للعراق تأثرت بأيدولوجية النظام. بمرحلة ما في السبعينيات كانت أمور النظام مستقرة ورأينا أن وجود النساء بالمجال العام كان كبيراً. احتاجت النساء أيضاً بحرب إيران أن تعوضن وظائف الرجال. رأينا مشاركة كبيرة للنساء من خلال قيادات داخل المؤسسات الحكومية والمجتمعات المحلية، على سبيل المثال الإتحاد العام لنساء العراق. هذا الإتحاد العام كان يصل لأبعد إمرأة بالريف العراقي. 

خلال فترة التسعينات، تغير كل هذا. ومع الحصار تغيرت الأمور كثيراً. بعد عام ٢٠٠٣ وبعد سيطرة الأحزاب المتشددة والتوجهات الإسلامية تضاعفت الإشكاليات، وزاد عليها سوء الوضع الأمني فصار المجال العام خطر جداً على الرجال وعلى النساء. من تجربتي الشخصية، كان إخوتي الرجال يبقون بالمنزل ولا يعملون بينما كنت أعمل وأشتري احتياجات المنزل لأن القتل كان يستهدف الرجال أكثر من النساء.

المجال العام في العراق مجال عنيف للنساء. هناك الكثير من المناطق التي لا نستطيع التواجد بها، خصوصاً ساحة التحرير. لا يمكن أن أبقى بها بعد الساعة الرابعة وإلا أعد بائعة جنس. هذه منطقة ذكورية بحتة. بشكل عام، كان هناك استبعاد منهجي للنساء بعد ٢٠٠٣ من المجال العام. نتحدث عن جيل من الفتيات والشابات لا تعرفن شكل المدرسة رغم أن أمهاتهن قد درسن بالمدرسة والكلية. 

عندما شارك/ت النساء والشباب في الاحتجاجات في ٢٠١٩ كان هذا نوع من التحدي وكسر لمفهوم سيطرة الدولة على المجال العام وتحدي أيضاً للسلطات الأمنية. وسمعت من أكثر من شابة محتجة أن القوات عندما كانوا يرون فتاة في صفوف المحتجين كانوا يزيدون الضرب والقنابل والعنف. ومختلف الجهات والأحزاب السياسية التي كانت ترفض الاحتجاجات كتهديد لنظامهم الفاسد، كانت تستخدم الميليشيات في ترهيب الفتيات والشابات وخطفهن وأحياناً قتلهن وتهديدهن حتى يعدن للمجال الخاص. وكان هذا العنف ممنهج لهذا أسميته بالعنف السياسي وكان بمرأى ومسمع القوات الأمنية الرسمية.

رغم التقدم الذي أحرزته النساء في العراق، ذكرت في مقالك أن الأدوار الجندرية التقليدية كانت لاتزال تطارد المحتجات. حدثينا أكثر عن هذا الجانب. 

كما ذكرت هذا يرتبط بالسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تُفرض على النساء. فبعض النساء كن يرحبن بهذه الأدوار التقليدية لأنهن يردن موضع قدم لهن. كما ذكرت سابقاً، ساحة التحرير منطقة ذكورية بحتة. لم  تكن الكثير من الشابات والفتيات والنساء يحلمن أن يتجولن بهذه المنطقة بهذه الأريحية، كان ذلك بمثابة الحلم. فكان كأنه عالم جديد، عالم يوتوبيا حيث تمشي النساء في شارع أو منطقة دون أن يثير وجودهن الجسدي القلق والتوتر بالنسبة للمجتمع. 

وكان الأمر بالنسبة لبعض الفئات من النساء، بسبب البيئة الاجتماعية والثقافية والقيود التي فرضت عليهن، أن مجرد وجودهن بالساحة حتى لو كان بأدوار جندرية تقليدية إنجازاً لهن. أياً كان العمل الذي تؤديه النساء فهو بالنسبة لهن ثورة. أما الفئات أخرى التي طالبت بمشاركة سياسية فاعلة، فعبرت عن أولوياتها بالاستقلالية والمشاركة السياسية ما يشير إلى تنوع المطالب النسوية بتنوع أولويات النساء المختلفة. 

 نتحدث عن مستويات مختلفة. ولكن ما صار خلال الاحتجاجات هو تبادل معرفي بين مختلف فئات النساء، مما جعل النظام يزيد العنف حيث انتبه لوجود تغير واضح. 

لا شك أن احتجاجات أكتوبر ٢٠١٩ تمثل علامة فارقة في الحراك النسوي في العراق. ولكن بعد مرور عامين تقريبًا ، كيف تطور وجود النساء والمقاومة النسوية أكثر؟ هل يمكن أن نقول أن عام ٢٠١٩ كان خطوة أولى في رحلة مستمرة نحو التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي بقيادة النساء العراقيات؟

مشكلة الحراك النسوي في العراق أنه دائماً للأسف يتأثر بالسياقات الهيكلية للنظام. يجب ان نذهب دائماً للجذور. لم يتغير شيء بالنظام وخاصة الوضع الاقتصادي والفساد وسيطرة الأحزاب والكتل السياسية على مقاليد السلطة والموارد. 

أنا أرى أنه بعد احتجاجات تشرين أصبح الحراك النسوي أكثر إتساعاً. على مستوى شخصي أنا اتعامل الآن مع كثير من المجموعات الشبابية … شيء لا يصدقه عقل كيف قاموا بتنظيم أنفسهم/ن الآن. تم كسر الاحتكار الذي كانت تمارسه بعض منظمات المجتمع المدني. ولكن مازال الحراك النسوي العراقي برأيي بحاجة إلى تطوير نظري هذا ما ينقصنا للأسف. نحتاج إلى تجديد أدواتنا وتقنياتنا وتجديد المعرفة حتى نكون على قدر المسؤولية بهذا الموضوع.  

احتجاجات تشرين كسرت الكثير من القيود واحتكار بعض الجهات لما يعرف بثورة حقوق الإنسان بالعراق وزادت من الوعي السياسي والمحلي. ولكن ذلك يحتاج إلى تنظيم مستمر.

تم نشر المقال ن في كتاب تحت عنوان “الاحتجاجات التشرينية في العراق” الصادر عن دار سطور العراقية 2021.