ماذا سيحدث في حال قمنا بتزويد المنظمات النسائية ذات القواعد الشعبية بتمويل مرن، دعم تقني متخصص ومساحات آمنة للتشبيك والتعاون؟ ما الذي يمكن تحقيقه عندما يتولى المستفيدون/ات مسؤولية اتخاذ القرار حول ما ينبغي فعله وكيف يمكن تسخير المنحة بالشكل الأفضل؟

هذا ما قررت رابطة النساء الدولية للسلام والحرية استكشافه من خلال المشروع الرائد حراك نسوي من أجل التغيير في سوريا. استفادت تسعة عشر منظمة مدنية ذات اجندة نسوية من الخاصيات الثلاث لهذا المشروع: تمويل مرن، دعم تقني متخصص، ومساحات آمنة للتشبيك والتعاون. لقد قمنا من خلال هذا المشروع بتحدي المنهج التقليدي للتمويل.

وصل المشروع إلى نهايته بعد ١٨ شهراً، ونقوم حاليا بمراجعة ما تعلمه/ته شركائنا وشريكاتنا وما تعلمناه نحن أيضاً. هل نجح النهج الذي اتبعناه للتمويل والدعم؟ كيف عزز شركائنا وشريكاتنا من أثرهم/ن؟ وهل تمكنت الرابطة والشركاء/الشريكات من المساهمة في تعزيز الحراك النسوي في سوريا؟

نهج جديد للتمويل  

تعمل الرابطة مع منظمات المجتمع المدني السوري  منذ عام ٢٠١٢، وتتمتع بفهم محكم للسياق التي تعمل المنظمات ضمنه، كما تتفهم العديد من التحديات التي تواجهها كون الرابطة بدورها منظمة ذات قيادة نسائية. لقد كانت غاية المنهج  الثلاثي الذي اتبعناه هي مساعدة شركائنا وشريكاتنا في تطوير أجنداتهم/ن وهيكلياتهم/ن والتأكد من رفع جاهزيتهم/ن للنمو المستدام وأنهم/ن في موضع أقوى لتحقيق أثر أكبر مما تم تحقيقه من خلال نهج التمويل التقليدي.

تعرف أكثر على مشروع “حراك نسوي من أجل التغيير” من خلال هذا الفيديو

العمل من منظور نسوي

حرصت الرابطة منذ اليوم الأول من المشروع على إقامة علاقة متساوية ومتوازية مع الشركاء والشريكات مبنية على احتياجاتهم/ن، حيث تشكل آرائهم/ن ومقترحاتهم/ن أساس ما تقدمه الرابطة من دعم وما تقوم به من عمل.

قالت ممثلة عن منظمة سوا للتنمية والإغاثة: “الدعم الذي تلقته سوا من الرابطة كان مختلفاً لأنه كان مبنياً على أساس احتياجات المنظمة ولم يكن جاهزا ومفروضا عليها. وهذا أمر مفيد لأنه في كثير من الأحيان يأتي المانحون أو الداعمون مع توقعات مسبقة موضوعة من قبلهم، الأمر الذي لا يتناسب مع السياق المحلي الذي نعمل ضمنه أو الحاجات التي نعلم أنها موجودة على الأرض.”

 لقد بدأ المشروع بتقييم احتياجات معمق، بيّن لنا أهمية التمويل المرن الساعي لدعم البنى الهيكلية، والتطور، والاستدامة عوضا عن التمويل التقليدي بنهجه الشائع والموجه لتمويل المشاريع. لقد حدد هذا التقييم تركيز المشروع المتمثل بتزويد الشركاء والشريكات تمويلاً يكسبهم/ن المزيد من الوقت للتفكير بطريقة استراتيجية والتركيز على الجانب الإبداعي من عملهم/ن بدل إهدار القدر الأكبر من وقتهم/ن وطاقتهم/ن بالقلق حول التكاليف الثابتة، وجمع التمويل، وتقديم التقارير للجهات المانحة.

استخدمت المنظمات الشريكة للرابطة المنحة لتمويل أهداف متعددة، منها من أسس مجلساً استشارياً نسائياً للمنظمة، ومنها من طور أدوات وأنظمة المتابعة والتقييم لديها، كما قام البعض بكتابة بحث عن النوع الاجتماعي ضمن منظمات المجتمع المدني السوري، بينما أنتج البعض الآخر مواد الكترونية تهدف لتغيير الصورة النمطية للنساء السوريات.

تحدثت ممثلة عن منظمة مواطنون لأجل  سوريا: “لقد ساعدتنا المنحة في تمويل بحث حاولنا البدء به منذ مدة طويلة، وبفضل مرونة المنحة، تمكنا من تغطية التكاليف الأساسية والرواتب التي لا تغطيها الجهات المانحة الأخرى.”

احتضان منح ذات دعم تقني متخصص

تم تخصيص الدعم التقني وفقاً لاحتياجات المنظمات التسعة عشر الشريكة ومتطلباتها، وتضمن برنامج الدعم النفسي-الاجتماعي، والتدريب على تعميم منظور النوع الاجتماعي، والتدريب على الإعلام والتواصل. تم إعطاء جميع الجلسات التدريبية باللغة العربية ومن قبل خبيرات نسويات يمتلكن فهماً محكماً للسياق المحلي.

أفادت ممثلة من منظمة بدائل :”لقد حضر أعضاء من فريق المنظمة تدريب الدعم النفسي الاجتماعي ووجدوه غنياً بالمعلومات ومفيداً للغاية في عملهم اليومي. ولقد ساعد بث التدريب عبر الإنترنت الأعضاء الممنوعين من السفر من حضور التدريب”.

لقد تم بث جميع التدريبات عبر الإنترنت لضمان مشاركة جميع الشريكات والشركاء بعيداً عن العراقيل الأمنية والقيود المفروضة على السفر. كما تم توفير جلسات متابعة مع الخبيرات لما تم تعلمه من التدريبات وللتأكد من مناقشة ومعالجة التحديات الشخصية.

“تغير منظورنا للعمل منذ حضورنا للتدريبات، فقد استطعنا توسيع معارفنا وأفكارنا لتطوير سياساتنا، وتحولت الوسائل التقليدية لما نقدمه من جلسات تدريبية لجلسات عبر الإنترنت. وكذلك تطوع ثلاثة زملاء وزميلات لإعطاء التدريبات التي قدمتها الرابطة محليا لباقي أعضاء المنظمة، فقمنا بإعادة تدريب الدعم النفسي -الاجتماعي مع إضافة جانب خاص بالدعم النفسي- الاجتماعي للطفل”، هذا ما أفاد به ممثل لمنظمة الوفاء الخيرية الموجودة داخل سوريا.

جمع الشركاء والشريكات سويا لتبادل معرفي تقاطعي

نظمت الرابطة اجتماعاً مع جميع الشركاء والشريكات في المشروع في شهر تشرين الأول ضم أكبر عدد ممكن منهم/ن في بيروت. لقد وفر هذا الاجتماع مساحة آمنة للتواصل بين المنظمات ذات التوجه الفكري المتشابه، وللتشبيك ومناقشة القضايا المتقاطعة، إضافة لتعميق الشراكات القائمة والانخراط بشراكات جديدة من شأنها تعزيز الحراك النسوي. بالنسبة للشركاء والشريكات الذين/اللواتي لم يتمكنوا/ن من التواجد شخصياً خلال الاجتماع، فقد استطاعوا/ن المشاركة بواسطة الفيديو.

” لقد كان الاجتماع ومن شارك فيه غاية في الفائدة من حيث مشاركة التجارب والخبرات في مساحة آمنة، ولقد استطعت الإصغاء لتجارب المشاركين والمشاركات واكتشاف الاختلافات والشراكات المحتملة”، قالت مشاركة  تفضل البقاء مجهولة الهوية.

مشروع ناجح

بوصول المشروع لنهايته، قمنا بتحليل ما أسفر عنه من نتائج ومخرجات. ونقدم فيما يلي لمحة عن آراء المنظمات الشريكة البالغ عددها ١٩ منظمة:

٨٩٪ من المنظمات (١٧ منظمة من أصل ١٩) أفادت حدوث تقدم في ما تم التخطيط له من نشاطات وبحدوث تغييرات مرغوبة في سلوكيات المنظمة.

٩٤٪ من المنظمات (١٨ منظمة من أصل ١٩) أشارت بأنها راضية/راضية للغاية عن الدعم المجمل الذي قدمته الرابطة.

٨٨٪ من المنظمات (٧ منظمات من أصل ٨)  أشارت بأنها راضية/راضية للغاية عن جلسات الدعم النفسي- الاجتماعي التي تم عقدها عبر الإنترنت.

١٠٠٪ من المنظمات (١٤ منظمة من أصل ١٤) أشارت بأنها راضية/راضية للغاية عن الدعم الذي قدمته الرابطة بخصوص تعميم منظور النوع الاجتماعي.

٩٠٪ من المنظمات (٩ منظمة من أصل ١٠) أشارت بأنها راضية/راضية للغاية عن الدعم الذي قدمته الرابطة بخصوص تدريبات الإعلام والتواصل.

لقد نجح مشروع “حراك نسوي من أجل التغيير في سوريا “ في تطبيق نهجه المبتكر والمتمثل بتزويد المنظمات السورية بتمويل مرن ودعم تقني متخصص. أتاح هذا النهج الفرصة أمام المنظمات الشريكة لتعزيز أجندتها النسوية بما يتناسب مع احتياجات المنظمة دون فرض أي متطلبات أخرى، كما تم استقبال الخطة الموضوعة للدعم التقني بشكل جيد للغاية، حيث تم تصميمها وتنفيذها لتتجاوب مع احتياجات المنظمات الشريكة والتحديات التي تواجهها. 

وكذلك نجح المشروع في كسر عزلة المنظمات المتواجدة في الداخل السوري، كما أفادت المنظمات الشريكة بأن العمل مع فريق يتحدث لغتها ويتفهم تحديات السياق التي تعمل ضمنه كان ذو قيمة مضافة.

استثمرت الرابطة المرونة التي أبداها ممولونا في تصميم مشروع مبتكر استفادت منه المنظمات الشريكة بدرجة كبيرة، ولقد ساهمت المرونة والإبداع في تصميم هذا المشروع بتميزه عن بقية المشاريع ذات التمويل التقليدي.

بالرغم من مضاهاة المشروع للتوقعات وتحقيقه لنتائج ممتازة خلال مدة قصيرة من الوقت، لا يزال هناك الكثير مما يتوجب فعله لتحقيق المزيد من النتائج وتزويد شركائنا وشريكاتنا بالمزيد من الأدوات لضمان التطور والاستدامة.

هذا المشروع هو مجرد بداية، فلا تزال المساحة مفتوحة لمزيد من الإبداع والأفكار الجديدة كي يتم تنفيذها في مشاريع مستقبلية بنتائج أفضل.