أعدت هذه المدونة الدكتورة ريما ماجد، وهي ناشطة نسوية وفي مجال العدالة الاجتماعية وأستاذة علوم اجتماعية في الجامعة الأمريكية في بيروت. وهي حاصلة على دكتوراه وماجستير في علم الاجتماع من جامعة أكسفورد. كانت محاضرة زائرة في مركز ممدوحة بوبست للسلام والعدالة بجامعة برينستون في الفترة 2018/2019. نشرت أعمالها في مختلف المجلات الأكاديمية والمنصات الإعلامية، مثل القوى الاجتماعية (Social Forces)، والتعبئة (Mobilization)، والتغيير العالمي (Global Change) والسلام والأمن (Peace & Security)، والحوار العالمي (Global Dialogue)، وإضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، والديمقراطية المفتوحة (Open Democracy)، وعين الشرق الأوسط (Middle East Eye)، وسي إن إن، والجمهورية، والجزيرة الإنكليزية. يركز بحث د. ريما ماجد على مجالات اللامساواة الاجتماعية، والحركات الاجتماعية، والنوع الاجتماعي والتقاطعية، وسياسات الهوية، والطائفية، والنزاعات، والعنف.

النساء في الطليعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا

شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2019 موجة ثانية من الانتفاضات الجماهيرية، وكانت النساء في طليعة الاحتجاجات من السودان إلى لبنان، مما أثار قضايا البطالة واللامساواة والفساد وعدم الاستقرار السياسي والعنف العرقي والطائفي.

هذا التركيز على الدور الطليعي للنساء في الانتفاضات ليس احتفالاً صورياً بتحرير المرأة العربية. فلا يمكن فهم الدور المركزي للنساء في هذه الانتفاضات الثورية – كقائدات ومنظمات وناشطات – إلا بوصفه انعكاساً للآثار العميقة التي خلفتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة على حياتهن وسبل عيشهن. ولكن رغم أن الانتفاضات أثارت آمالاً كبيرة في التغيير، فقد أدى عام 2020 إلى توقف مفاجئ في التحركات بسبب جائحة كوفيد-19 التي غيّرت حياتنا بكل تفاصيلها.

لكن أحد الجوانب التي لا تزال ثابتة، رغم قلة الإضاءة عليه، هو حقيقة أن النساء كن أيضاً في طليعة مكافحة الوباء في منطقتنا. فمع تحول حياتنا، أصبح عمل الرعاية – الذي تقوم به النساء وفئات الأقلية الأخرى بشكل أساسي – محورياً بشكل واضح لبقائنا. وأدركت المجتمعات فجأة أن الممرضات والقابلات اللواتي يتقاضين رواتب هزيلة والأخصائيات الاجتماعيات وعاملات المنازل وعمال النظافة والمعلمين هم “العاملين الأساسيين” لدينا. كما أن انتشار الوباء ظهّر بشكل واضح كيف ان العمل الإنجابي غير مدفوع الأجر الذي تقوم به الأمهات والجدات والأخوات والعمات وغيرهن في المنزل هو المحرك الرئيسي الذي يبقي المجتمعات واقفة على قدميها أثناء الإغلاق والتعلم عن بعد والعمل من المنزل.

الحاجة إلى “نهج الاقتصاد السياسي النسوي” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

في ضوء الأزمات المديدة والأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سعت العديد من الحركات والمنظمات النسوية في المنطقة إلى توفير فهم جندري للكوارث متعددة المستويات التي نعيشها. ومن المجالات المهمة التي تجتذب كثيراً من الاهتمام هذه الأيام “نهج الاقتصاد السياسي النسوي”.

تطالب العديد من النسويات اليوم بمقاربة أكثر تقاطعية لتجاربنا اليومية، ترتكز على الاقتصاد السياسي وعلى فهم يراعي النوع الاجتماعي، من أجل الدراسة الدقيقة للعلاقة بين الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولهذه الغاية، نشرت رابطة النساء الدولية للسلام والحرية دليلاً للاقتصاد السياسي النسوي يسعى إلى دعم المبادرات النسوية في تبني هذه المقاربة في عملها ونشاطها. ومع أن الدليل لا يقتصر على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنه يبقى مرجعاً مفيداً للغاية.

إن تبنّي “مقاربة الاقتصاد السياسي النسوي” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفریقیا يضيف قيمة كبيرة. فرغم أن الاقتصاد السياسي النسوي ينطبق على جميع المجتمعات، فإنه يرتدي أهمية خاصة في منطقتنا لسببين رئيسيين. الأول هو أن هذه المنطقة تسجل أعلى معدل لامساواة ومعدل بطالة بين الشباب في العالم، حيث تعاني أغلبية بلدانها مما يدعى “المرض الهولندي”. ثانياً، معظم دول المنطقة إما تشهد حروباً أو خارجة للتو من حروب. ولكلا السببين، وغالباً ما يكونا مترابطين، تبعات جندرية هائلة على حياة سكان هذا الجزء من العالم.

المرض الهولندي وتبعاته الجندرية

تعتبر دول مثل لبنان والعراق والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اقتصادات ريعية تعاني من “المرض الهولندي”، حيث ترجع تدفقات رأس المال الأجنبي فيها إلى صادرات النفط أو التحويلات الكبيرة من الخارج أو المساعدات. ولذلك فإن اقتصاداتها لا تجتذب استثمارات إنتاجية تخلق فرص عمل، كالصناعة أو الزراعة؛ وبالتالي، تسجل المنطقة العربية معدلات بطالة عالية جداً، ولا سيما بين النساء.

كما تسجل المنطقة نسبة عالية جداً من النشاط الاقتصادي غير المنظم (71.2%)، بحسب إحصاءات حديثة نشرتها  هيئة الأمم المتحدة للمرأة، حيث تشكل النساء 61.8% من العاملين في القطاع غير المنظم. ويقدر تقرير الأمم المتحدة أيضاً أن المنطقة ستفقد أكثر من 1.7 مليون وظيفة في عام 2020 بسبب الوباء، بينها 700000 وظيفة على الأقل تشغلها نساء. وهذا يعني أن بطالة الإناث يُتوقع أن تزداد في السنوات المقبلة.

ولفهم آثار “المرض الهولندي” في تلك البلدان من وجهة نظر الاقتصاد السياسي النسوي، لنأخذ لبنان مثالاً. من الواضح أن الانهيار المالي الأخير والتدهور السريع في القوة الشرائية للعملة يرجعان إلى السياسات السياسية والاقتصادية المعتمدة منذ نهاية الحرب الأهلية في تسعينيات القرن العشرين. فقد أدت سياسة النيوليبرالية في لبنان بعد الحرب، بما فيها سياسات إعادة الإعمار، والاعتماد الكبير على التحويلات الخارجية والقروض والمساعدات، و مخطط بونزي المصرفي الخاص بتدفق العملات الأجنبية، إلى اقتصاد هش عماده الدولار ويعتمد بشدة على الاستيراد في تلبية الاحتياجات الأساسية لأن الإنتاج المحلي ضعيف جداً. تترافق هذه السياسات النيوليبرالية مع سياسات طائفية، مما يعني أن لا دور للدولة في التوزيع العادل للثروة وتوفير الرفاهية بسبب وجود المحسوبية الطائفية.

مع تفاقم الأزمة المالية في عام 2020 و”تبخر” دولارات المودعين من البنوك المحلية، وجد غالبية سكان لبنان أنفسهم في حالة من العوز. وفي مثل هذه الحالة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الكامل، فإن النساء وفئات الأقليات تعاني أكثر من غيرها. فكان الموظفون الأكثر عرضة للفصل والاستغلال خلال موجات التسريح هم من النساء والعمال المهاجرين ومعظمهم يعمل في القطاع غير المنظم وليس لديه حماية اجتماعية أو شبكة أمان قانونية. برز ذلك بوضوح في أزمة عاملات المنازل المهاجرات في لبنان منذ أوائل عام 2020، التي تجلت في عدم قدرة العديد من أصحاب العمل على دفع الرواتب بالدولار (رغم انخفاضها) وفي غياب آليات لحماية حقوق المرأة من استغلال نظام الكفالة. بالإضافة إلى ذلك، ألحق الانهيار المالي، المترافق مع آثار الإغلاق بسبب الوباء، أضراراً كبيرة بحياة النساء في لبنان من حيث زيادة العنف الأسري، وانخفاض الوصول إلى الرعاية الصحية (وخاصة خدمات الصحة الإنجابية) وإهمال أولويات احتياجات النساء عموماً.

تاريخ من الاستعمار  ومن النيوليبرالية

يمكن إرجاع الظروف الاقتصادية الصعبة وآثارها الجندرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تاريخ من الإمبريالية والاستعمار شكل الأطر القانونية للعديد من القضايا التي تؤثر على النساء منذ بداية القرن العشرين. على سبيل المثال، يعود غياب وجود قانون موحد للأحوال الشخصية أو قانون للأسرة في بلدان مثل لبنان والأردن وسوريا إلى سياسة “فرق تسد” التي انتهجتها فرنسا وبريطانيا في المنطقة.

وحتى يومنا هذا، تخضع غالبية النساء في المنطقة إلى قوانين أسرة غير عادلة ومحاكم دينية تعزز السلطة الأبوية والتنظيم الاجتماعي الأبوي. كما أحرزت حملات تمكين النساء من منح جنسيتهن لأطفالهن في لبنان والعراق وسوريا والأردن تقدماً كبيراً في السنوات الماضية، مما يبرز اللامساواة القانونية في حقوق المواطنة بين الرجال والنساء.

لا تقتصر الجذور الاستعمارية لعدم المساواة بين الجنسين في المنطقة على قوانين الأسرة، بل ساهمت في تحديد مستوى وصول النساء إلى الرعاية الصحية. على سبيل المثال، يؤكد الباحثون أن قوانين الإجهاض صدرت أيضاً بفعل سياسات القوى الاستعمارية المؤيدة للإنجاب من أجل تشجيع النمو السكاني في البلدان المستعمرة. ورغم أن هذه السياسات حظيت لاحقاً بتأييد القوى الدينية والسياسية المحلية، فإن الذي وضعها وطبقها في البداية كان القوى الاستعمارية.

وإضافة إلى التاريخ الاستعماري، تعود صعوبات الواقع الاجتماعي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم أيضاً إلى المرحلة اللاحقة من تدابير النيوليبرالية والتقشف، بتشجيع من المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فقد أدت هذه السياسات إلى تفكيك أحكام دولة الرفاه وتقليص الحماية الاجتماعية في العديد من البلدان، وهذا يضر أساساً بالنساء والأقليات. وتُظهر دراسة أجرتها Ayse Dayi عام 2019 كيف ألحق تراجع دولة الرفاه في تركيا وانتشار مقدمي الرعاية الصحية من القطاع الخاص ضرراً كبيراً بالحقوق الإنجابية، بما فيها الإجهاض.

وأيضاً تُظهر أمثلة من عمليات النيوليبرالية في مصر الآثار غير المباشرة لسياسات التكيف الهيكلي على النساء. فقد بينت الأبحاث أن تجميد رواتب موظفي القطاع العام في مصر، عندما بدأت في تنفيذ تلك السياسات، أدى في الغالب إلى انتقال الرجال إلى القطاع الخاص لأن معدلات التضخم المرتفعة تعني أن الرواتب فقدت قيمتها وقوتها الشرائية. وساهم ذلك في زيادة فجوة الأجور وتعميق اللامساواة بين الجنسين في سوق العمل.

وبالمثل، يتضح دور المؤسسات المالية الدولية في تشجيع سياسات ومشاريع تعرض البيئة والمجتمعات المحلية للخطر، بما في ذلك حياة النساء، من خلال مشروع سد وادي بسري الذي دعمه البنك الدولي، قبل أن تنجح الحملة المحلية “أنقذوا مرج بسري” في إيقاف المشروع في أيلول/سبتمبر 2020.

الاقتصاد السياسي النسوي في ظروف النزاعات المسلحة والعسكرة

بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية والمالية المذكورة أعلاه والتي تدعو إلى تبني تحليل الاقتصاد السياسي النسوي، فإن النزاعات المسلحة وأوضاع الحرب في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقتضي أيضاً اتباع هذا النهج. فقد كشف تقرير حديث استند إلى مؤشر السلام العالمي لعام 2018 أن “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال المنطقة الأقل سلاماً في العالم”. وهذا يثير الكثير من الأسئلة: لماذا ابتليت المنطقة بكل هذه النزاعات المسلحة؟ من أين يأتي السلاح؟ ولمصلحة من؟ وعلى حساب من؟

لقد أظهرت دراسات عدة أن بعض الدول الغربية تلعب دوراً محورياً في تجارة الأسلحة في الشرق الأوسط. ويورد تقرير حديث صادر عن مركز السياسة الدولية أن أكبر خمسة موردي أسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 2015 و2019 كانوا الولايات المتحدة (48% من إجمالي مستوردات الأسلحة) وروسيا (17%) وفرنسا (10%) والمملكة المتحدة (5%) وألمانيا (5%).

ويؤكد التقرير أيضاً أن الأنظمة والميليشيات/الجماعات المتمردة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تعتمد على إمدادات الأسلحة من الغرب فحسب، بل تعتمد الدول الغربية بشكل أساسي على عملائها في المنطقة في صفقات تجارة الأسلحة المربحة. وهذا يؤكد النوايا الإمبريالية والسبب الأساسي وراء “عدم الاستقرار” في المنطقة. وبحسب هذا التقرير، فإن “صادرات الأسلحة إلى المنطقة بين 2015 و2019، شكلت 57.3% من إجمالي صادرات الأسلحة البريطانية، و54.0% من صادرات الأسلحة الفرنسية، و53.2% من صادرات الأسلحة الأمريكية، و33.0% من صادرات الأسلحة الروسية و32.7% من صادرات الأسلحة الألمانية”.

وعلى الرغم من ندرة البيانات، أكدت تقارير أخرى دور القوى الإمبريالية الناشئة أو الإقليمية أيضاً مثل الصين، والسعودية، وتركيا وإيران في إمداد الدول أو الميليشيات/الجماعات المتمردة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالأسلحة.

في ضوء ما سبق، ينبغي تحليل الحرب والعسكرة في المنطقة باستخدام نهج اقتصاد سياسي يدرس الأرباح التي تحققها الحكومات والشركات من تجارة الأسلحة في العالم.

علاوة على ذلك، فإن فهم المصالح الاقتصادية الكامنة وراء القرارات السياسية للحرب والسلام يستدعي قراءة جندرية لتأثير النزاع المسلح على النساء والأقليات في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لقد ثبت تماماً أن تفاقم عسكرة الحياة اليومية وانتشار الأسلحة في أيدي الأفراد في ظروف الحرب يسبب ازدهار الثقافات الذكورية السامة، مما يزيد حالات الإعتداء على النساء والتحرش، ويبرر ارتفاع معدلات العنف الأسري، ويزيد معدلات الاغتصاب والعنف الجنسي.

ومع أن الفكرة القائلة بأن الرجال هم الضحايا الرئيسيون للحرب قد بدأت فعلياً بالتغير مع نهاية الحرب العالمية الأولى، تؤكد مقاربات أكثر حداثة أن المدنيين، وخاصة النساء والأطفال، هم في الواقع من الضحايا الرئيسيين للحروب، لأن زيادة استهداف المدنيين أصبح استراتيجية حرب منذ الحرب العالمية الثانية.

وإضافة إلى الانتهاكات بحق النساء أثناء الحرب بوصفهن ضحايا مباشرات، فإنهن يتحملن أيضاً أعباء التعافي. فهن ليس فقط مطالبات بتوفير الرعاية اللازمة لأسرهن، بل يتعرضن أيضاً للوصم والتهميش عندما يفقدن معيل الأسرة أو “الحامي” الذكر. ولأن معدلات بطالة الإناث مرتفعة جداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يصبح من الصعب على النساء تحقيق الاستقلالية المالية وأن يعلن أسرهن بمفردهن. وقد دفعت هذه الأوضاع بنساء كثيرات إلى الفقر، وأرغمت بعضهن على العمل في مهن تؤدى إلى تهميشهن في مجتمعاتهن كالجنس مقابل العيش، بينما تقع أخريات ضحايا للاتجار بالبشر أو يجبرن على الزواج أو (إعادة) الزواج لأسباب اقتصادية.

بالإضافة إلى كل ما سبق، في مثل هذه الظروف، يتم استهداف الناشطات أو قريبات الناشطين الذكور من قبل الأنظمة القمعية و/أو الجماعات المسلحة. ففي سوريا مثلاً، استهدفت النساء من قبل نظام الأسد الديكتاتوري والجماعات المسلحة المتطرفة، كتنظيم الدولة الإسلامية.

من ناحية أخرى، فإن مسألة النساء والعسكرة تقتضي التفكير في مشاركة الإناث في النزاعات المسلحة، مثل حالة المقاتلات الكرديات في روج آفا. وفي حين احتفلت وسائل الإعلام عموماً بصور تلك المقاتلات ضد داعش، لا يزال من المهم من وجهة نظر نسوية تسليط الضوء على عواقب الحرب والنزاع المسلح على النساء الكرديات، بعيداً عن تمجيد شخصية المرأة المقاتلة أو تسليعها.

منظور جندري في دراسة الآثار الإنسانية للنزاعات المسلحة

أسفرت الحروب والنزاعات المسلحة في المنطقة عن أزمات إنسانية كبرى لا بد من مقاربتها ومعالجتها من منظور الاقتصاد السياسي النسوي.

فقد أدى النزاع السوري إلى أكبر أزمة لاجئين في العالم، حيث أصبحت الدول المجاورة كالأردن وتركيا ولبنان مضيفاً رئيسياً للاجئين. كما أن استمرار الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين، وصعود الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والحرب في اليمن، والعنف السياسي في الصومال والسودان، كلها عوامل خلقت ظروفاً جعلت حياة النساء، والمثليين، والأقليات القومية والعرقية في خطر. على سبيل المثال، أثبتت دراسات مختلفة أن زواج الأطفال بين الفتيات اليمنيات أو بين النازحين واللاجئين السوريين والعراقيين يرتبط ارتباطاً مباشراً بآثار الحرب والعنف على البقاء الاقتصادي. وفي ظروف الاحتلال، أظهرت الدراسات أيضاً كيف تقف نقاط التفتيش الإسرائيلية عقبة رئيسية أمام وصول النساء الحوامل الفلسطينيات إلى مراكز الرعاية الصحية من أجل الولادة.

لقد أوجدت ظروف النزاعات اقتصاداً ضخماً للمساعدات الإنسانية يرسخ هو الآخر اللامساواة بين الجنسين في الاستراتيجيات والعواقب. فمثلاً، اجتذب قطاع المساعدة الذي ازدهر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العقود الماضية العديد من المنظمات الدولية والموظفين الأجانب، ومعظمهم من الغرب، مما خلق هوة في الرواتب وفي الأمن الوظيفي بين الموظفين المحليين والأجانب. ويحدث هذا غالباً على حساب المنظمات الإنسانية المحلية والعاملين الميدانيين المحليين الذين يظلون في الطليعة، وتكون حياتهم أكثر عرضة للعنف والخطر.

يشكل الاقتصاد السياسي لقطاع المساعدات وسياسات العمل والتمويل التي يتبعها مجالاً مهماً لأي شخص مهتم بفهم دور المساعدات الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن المهم هنا إبراز حقيقة أن الدول الغربية التي تعد المصدر الرئيسي للأسلحة في المنطقة هي نفسها الدول المانحة الرئيسية للمساعدات الإنسانية.

أظهرت الدراسات أيضاً أنه في ظروف الحرب واللجوء، فإن سياسات المساعدة والإغاثة الإنسانية عادة لا تعطي الأولوية لاحتياجات النساء. فقد أظهرت دراسة حديثة عن اللاجئات السوريات في البقاع اللبناني أنه فور تقلص تمويل المساعدات للاجئين، كانت الفوط النسائية هي أول بند يتم إلغاؤه من مساعدات المنظمات الدولية. وتؤكد الدراسة أيضاً أنه رغم قيام بعض المنظمات بتوزيع فوط قابلة لإعادة الاستخدام، فإن نقص الصابون والمياه النظيفة جعل هذه الحلول غير مستدامة وغير مرغوبة من قبل اللاجئات.

وخلصت دراسة أخرى استندت إلى مسوحات ميدانية بين اللاجئين والنازحين في العراق ولبنان في العامين 2014 و2015 إلى أن الصحة الإنجابية يجب أن تكون على رأس جدول الأعمال الإنساني لأن عدداً كبيراً من النساء في عمر الإنجاب (قرابة 20% من العينة) كن إما حوامل أو أنجبن في العام السابق، بالإضافة إلى نقص وسائل منع الحمل أو الرعاية السابقة للولادة والإفراط في استخدام العمليات القيصرية كما أظهرت تلك المسوحات.

في ضوء ما سبق، لا يمكن معالجة المشاكل الرئيسية التي تواجه النازحات واللاجئات معالجة سليمة إلا بنهج شامل للمساعدات الإنسانية، يتبنى منظوراً نسوياً مناسباً يأخذ الحقائق المحلية بعين الاعتبار.

التحولات الاجتماعية في الأدوار الجندرية: نحو اقتصاد سياسي نسوي

كما أشرنا أعلاه، في أوقات الحرب والنزوح، تتحمل النساء عادة عبء الحياة الأسرية، سواء من حيث الدعم المالي أو أعمال الرعاية. ولكن دراسات حديثة تظهر تغير في نمط توزيع الأدوار الجندرية في الأسر ضمن مجتمعات اللاجئين، على الرغم من أن النساء ما زلن محرومات بشدة.

كشفت الدراسات مؤخراً أنه في العديد من البلدان التي تستضيف لاجئين، يواجه الرجال أعمال عدائية من المجتمعات المضيفة ويجدون أنفسهم عاجزين عن إعالة أسرهم بمفردهم. وهذا ما دفع بالكثير من النساء إلى العمل خارج المنزل لكسب دخل إضافي، أو أصبحن المعيلات الوحيدات للأسرة.

على الرغم من هذه التحولات في الأدوار الجندرية، لا يزال العبء الثقيل لرعاية الأسرة والمصابين أو المعوقين بسبب الحرب يقع على عاتق النساء. ولذلك، تعتبر التحولات الأخيرة في العلاقات بين الجنسين بسبب الحرب والنزوح سلاحاً ذا حدين. فمن ناحية، تشعر النساء أحياناً بأنهن أكثر قوة من الرجال في هذه الظروف. ولكن من ناحية أخرى، لا تزال الأعراف الاجتماعية الأبوية تحكم الكثير من تفاصيل حياتهن وتجاربهن اليومية.

في الختام، لا يمكن رصد وشرح التحولات الجذرية في العلاقات بين الجنسين والعلاقات الأسرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلا بتطبيق نهج صارم في الاقتصاد السياسي النسوي. وعن طريق هذا النهج أيضاً يمكن أن يسود الكفاح النسوي من أجل السلام والعدالة، وضد الديكتاتوريات والتقشف.